السيد الطباطبائي

370

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

الفصل الثالث في الإرادة والاختيار إذا فرضنا إنسانا جائعا مشتهيا وجد شيئا من المأكول ولم يكن هناك مانع فأكله ، وإنسانا زلق عن سطح فسقط إلى الأرض ، فإنّا نحسّ بالفرق بين هذين الفعلين جزما ، ووجدنا الأكل كأنّه واجد لمعنى قد فقده السقوط ، ونسمّيه بالاختيار ، والمعنى الثاني اضطرارا ، فالحجر والنبات ليسا بالاختيار ولا بالاضطرار ، فبين المعنيين شبيه تقابل العدم والملكة . ثمّ إذا فصّلنا بحمل هذا الفعل الاختياري وجدنا الفاعل أنّه تنبّه للفعل أوّلا وتصوّره وتروّى في صلاحه وفساده ثانيا ، ثمّ أذعن بصلاحه ثالثا ، ثمّ تشوّق إليه رابعا ، ثمّ قصده ففعله ، ثمّ إذا بحثنا بحثا حقيقيّا وجدنا الفعل الصادر لكونه موجودا ممكنا مستندا في صدوره الذي له إلى الإرادة ، والإرادة إلى العلم الذي هي عنه ، وهكذا ، وإنّ الفعل صدر حينما صدر واجبا بوجوب علّته من غير أن يبقى ممكنا ، وهذا العلم والإذعان حيث لا يتمّ تأثيره من غير الجزم ، فلو لم يكن هناك جزم لزم في الوصول إلى الجزم الروية بين الأطراف كما هو الشأن للإنسان في تحصيل العلم ، وكلّ تروّ أيضا لمكان الوصول إلى الجزم ، فالفكر والرويّة حركة نفسانيّة غير مقصودة في نفسها ، وكذلك التنبّه من المعدّ للوصول إلى الجزم لمكان الذهول عن المعلوم أو الجهل به . فقد تبيّن أنّ التنبّه والروية ليسا بمقصودين بالذات في حصول الفعل بالإرادة ، فلو فرض وجود العلم وكون الفعل حسنا بالذات غير مشكوك في حسنه لصدر الفعل من غير توقّف وكان اختياريّا .